إخبار المحافظات
من صنعاء إلى عدن… رحلة لا تُقاس بالمسافة بل بالذاكرة..
من صنعاء إلى عدن، حيث لا تُحكى الرحلة كمسافةٍ تُقطع، بل كعمرٍ يُعاش، وكأن الطرقات تحفظ خطانا، وتعيدها كلما مرّ بنا طيفُ حنين. في خريف عام 1997، غادرنا صنعاء باتجاه ثغر اليمن الباسم، عدن. كانت الرحلة في ضحى يومٍ مشبعٍ بالصفاء، برفقة الأستاذ القدير حسن عبدالله بن عبدالحق، عضو مجلس النواب السابق، ومستشار وزير الإدارة المحلية، ومرافقيه. لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل كانت بداية حكايةٍ ستظلّ تنبض في الذاكرة، كأنها لحنٌ لا يبهت. عند نقيل سمارة، توقفنا للغداء، وهناك امتزجت نكهة الطعام ببهاء المكان، وبأحاديثٍ دافئة كانت تُنسج بيننا، حتى خُيّل إلينا أن الطريق نفسه يُصغي. كان كل شيء يوحي بأن هذه الرحلة ليست كغيرها، وكأن في الأفق ما يستحق أن يُحفظ. وصلنا عصرًا إلى عدن، تحديدًا حجيف – المعلا، إلى منزل الأستاذ حسن، حيث بدت عدن كأنها تفتح ذراعيها للقادمين إليها؛ مدينةٌ تُحسن استقبال القلوب قبل الأجساد. في اليوم التالي، توجهنا إلى مطار عدن الدولي لاستقبال القامة الإعلامية والفنية، الصديق العزيز الفقيد عبدالرحمن الحداد رحمة الله عليه، القادم من صنعاء. ومنذ لحظة وصوله، تغيّر إيقاع الأيام… كأن حضوره أضفى على المكان روحًا أخرى، روحًا تُشبه الفن حين يكون صادقًا، والإنسان حين يكون ممتلئًا بالتجربة. امتدت إقامته بيننا قرابة أسبوعين، لكنها كانت زمنًا كثيفًا بالمعنى. رافقناه في لقاءاته وأعماله، وفي إحدى الليالي كان له لقاء فني في تلفزيون عدن، فانتظرناه حتى منتصف الليل، نترقب خروجه من الاستوديوهات كمن ينتظر اكتمال مقطعٍ موسيقي. وحين عاد، عاد الليل معنا أكثر ألفة. كانت الموسيقى حاضرة في كل شيء… في الجلسات، في الأحاديث، في زياراتنا المتكررة لمنزل الأستاذ أحمد بن غودل في العقبة بكريتر، ذلك المكان الذي تحوّل إلى ما يشبه “قلعة الألحان”، حيث تُولد الأغاني من رحم الشغف، وتُصاغ المشاعر نغمًا. وفي ثنايا تلك اللحظات، كانت كلماته وأغانيه تتسلل كأنها تعبيرٌ صادق عمّا نعيشه… “يا رايحين الوطن زدتم بقلبي لهيب…” فنلتفت إلى بعضنا وكأن الشوق صار صوتًا مسموعًا، “الشوق لي في وطاني… حبي لأرض اليمن باقٍ ولن يُنسى…” فنزداد يقينًا أن الوطن ليس مكانًا فقط، بل إحساسٌ يسكننا أينما كنا. خمسة عشر يومًا كانت كفيلة بأن تصنع ذاكرةً كاملة… أيامٌ جمعت بين السياسة والإعلام والفن، وبين التجربة والإنسان. وفيها أُتيحت لي فرصة العمل مع وكالة الصحافة الفرنسية، بلقاء مدير مكتبها في عدن، الذي تمّ بتنسيق الأستاذ حسن عبدالحق، والذي يقع—على ما أذكر—في أحد مباني حي الميدان بكريتر، لتبدأ تجربة مهنية مميزة، قبل أن تقودني الظروف لاحقًا إلى مهام أخرى في مشروع المسح الديمغرافي بشبوة وأبين. ورغم تكرار اللقاءات مع الأستاذ عبدالرحمن الحداد في صنعاء لاحقًا، ظلّت عدن هي الفصل الأجمل في الحكاية… هناك كان أكثر قربًا، وأكثر بوحًا. كان موسوعةً تمشي على قدمين، يختزن في ذاكرته محطاتٍ من السياسة والإعلام والفن، ويمنح من حوله خلاصة تجربةٍ ثرية. وكأن الأغنية كانت تسبقه وتلخّص حضوره… “جميلٌ أنت يا وطني… وأنسامك تُغذّي الروح…” “إلى صنعاء من عدنِ… رواحٌ طيبٌ وسروح…” فكانت البلاد كلّها تختصر في صوته، وفي إحساسه الذي لا يُجيد إلا الصدق. ومع امتداد الأيام، ظلّ الودّ قائمًا، حتى جاءت تلك العبارة التي علقت في الذاكرة: “على ميعاد… أنا وانت حبيب الروح ليلة على ميعاد…” كأنها وعدٌ بلقاءٍ لا ينقطع… أو ربما وداعٌ مؤجل. ثم جاءت سنوات النكبة، تلك التي رُفعت شعاراتها تحت مسمّى “التغيير”، فإذا بها تنقلب إلى تدميرٍ طال الوطن وكل جميلٍ فيه؛ تفرّق الناس، وتبدّلت الأحوال، وانكسر ذلك النسق الجميل الذي كان يجمعنا. وكان المشهد، في قسوته، أقرب ما يكون إلى ذلك التصوير القرآني البليغ: “لقد كان لسبإٍ في مسكنهم آية… جنتان عن يمينٍ وشمال… فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أُكلٍ خمطٍ وأثلٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل…” صدق الله العظيم. وكأننا انتقلنا، في لحظةٍ واحدة، من خضرةٍ وارفة إلى واقعٍ قاسٍ، ومن اجتماعٍ دافئ إلى شتاتٍ موجع. ومضت الأيام… حتى جاء الخبر الذي لا يُحتمل: رحيل الأستاذ عبدالرحمن الحداد. رحل، وترك في القلب فراغًا لا يُملأ، وذكرى لا تُنسى. وفي لحظة الوداع، لم يكن هناك ما يُقال أصدق من صوته نفسه: “الوداع… الوداع… باودّعك يا حبيبي…” “قدّر الله عليّ باسير… والقلب محنون…” فكان الوداع أكبر من الكلمات، وأثقل من الاحتمال. رحم الله عبدالرحمن الحداد… فقد كان وطنًا في هيئة إنسان، وصوتًا إذا غنّى اختصر الحنين، وإذا حضر ملأ المكان حياة. أما تلك الرحلة… من صنعاء إلى عدن، فلم تعد مجرد ذكرى، بل أصبحت نشيدًا خفيًا، كلما مرّ طيفه في القلب، ردّد بصمت: “ردّوا على من سأل… بعد التحية سلام…” ✍🏼 حسين الرفاعي شبوة _ 4 مايو 2026