تقارير
مهمة صحافية معقدة تحت النيران الكثيفة : جريدة لندنية تزور الخطوط الأمامية لجبهات القتال في اليمن ( تفاصيل )
عدن الحدث
زار مراسل جريدة "إيلاف" اللندنية الجبهة الأمامية للقتال في محافظة شبوه اليمنية، في مهمة صحافية معقدة شابتها الكثير من المخاطر والصعاب، لا سيما أن عمليات القصف وتبادل النيران بين القوات الشرعية والحوثيين كانت مستعرة.
ايلاف/ جمال شنيتر
يواصل الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بإسناد من طيران التحالف العربي دك مواقع الميليشيات الانقلابية وقوات الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، في مناطق مديرتي عسيلان وبيحان شمال غرب محافظة شبوة النفطية.
قال مصدر محلي في جبهات القتال إن 17 حوثيا لقوا مصرعهم في المعارك الضارية التي جرت خلال الساعات القليلة الماضية، بينما تم اسر عشرة حوثيين بينهم طفل لا يتجاوز 12 عاما.
مراسل "إيلاف" يحكي في التقرير التالي مشاهداته الحية من جبهة القتال في منطقة الصفراء بمديرية عسيلان .
مديرية نفطية
مديرية عسيلان يبلغ سكانها نحو ستين ألف نسمة وهي مترامية الأطراف، ومعظم مناطقها صحراورية او شبه صحراوية. ومن أهم مناطق المديرية مدينة عسيلان عاصمة المديرية، ومدينة النقوب التي تقع على طريق شبوة صنعاء.
أهميتها الاقتصادية تكمن في أنها منطقة إنتاج نفطي وافر، حيث يبلغ إنتاج حقول جنة عسيلان ما يقارب ثمانين ألف برميل يوميا، كما تشتهر المديرية بإنتاج العديد من المحاصيل الزراعية وخاصة في وادي بلحارث.
في الطريق الى جبهات القتال
انطلقنا - معي مجموعة من الزملاء - من مدينة عتق المركز الإداري لمحافظة شبوة عند الساعة السادسة صباحا، في سيارة دفع رباعي عبر الطريق الاسفلتي.
بيد أننا وما ان خرجنا من مدينة عتق حتى استوقفتنا نقطة عسكرية تابعة لمحور عتق، تطلب مني، ومن معي في السيارة إخراج بطاقات إثبات الهوية الشخصية، وهو أمر لم نعتاده، فقلنا للجندي "ليست لدينا بطاقات"، وبعد اخذ رد من الجندي، وتأكيدنا له أننا من سكان بلدة عتق، وافق على مضض بالسماح لنا بالانصراف.
فيما بعد علمنا أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها النقطة جاءت للبحث عن جنود فارين من جبهات القتال، سواء كانوا مع جيش الشرعية أو الانقلابيين.
بعد ثلاث ساعات من السير في طريق اسفلتي تخللته بعض الكثبان الرملية، وصلنا إلى مؤخرة جبهة القتال.
عند محطة وقود توقفت بنا السيارة، قال لنا المرافق "هنا مؤخرة جبهة القتال".
انتظرنا قليلا عند محطة الوقود ريثما يتم ترتيب نقلنا إلى القيادة العسكرية في عمق الجبهة.
بالفعل، تحركنا بعد أن تم تغيير السيارة بأخرى، وانطلقنا ولكن ليس عبر الطريق الاسفلتي، بل عن طريق رملية صعبة، حتى كادت السيارة أن تنقلب بنا بين الكثبان الرملية العالية.
سالت السائق: " لماذا اتجهت بنا في هذه الطريق، وتركت طريق الإسفلت؟"، قال لي: "طريق الإسفلت تكاد الآن تكون مكشوفة من قبل الحوثيين، كما يعتقد أن الحوثي زرع فيها الغاما!".
"حماس وطني"
بعد نحو ربع ساعة في السير السريع وسط كتل تلاصقة من الكتل الرملية وصلنا إلى احد التلال الجبلية الصغيرة حيث ينتشر فيه عشرات الجنود.
نزلنا من السيارة واتجهنا لصعود التل، حيث ينتشر جنود اللواء 21 ميكا في حدود منطقة الصفراء الإستراتيجية التي لا تبعد كثيرا عن منابع النفط في مديرية عسيلان بشبوة.
صعدت إلى أعلى التل، حيث يوجد قائد اللواء21 ميكا، العميد جحدل حنش العتيقي، المنتمي إلى قبيلة العوالق التي تعد من اكبر القبائل في الجنوب ذات النفوذ السياسي والعسكري والقبلي.
القائد جحدل شاب صاحب حماس وطني كبير، كان يشاهد بالمنظار التحركات العسكرية في مقدمة الجبهة، ويستخدم الهاتف الجوال، واللاسلكي، لتوجيه قادة الكتائب في ميدان المعركة.
في الوقت نفسه، اسمع بوضوح أصوات طيران التحالف العربي، وهي تحلق في سماء جبهة القتال، وتقصف مواقع الانقلابيين.
"جاءت البشرى الآن"، احد كتائب الجيش الوطني تقدمت بضع كيلومترات في الصفراء، ساد الفرح بين جنود العميد جحدل.. "إلى الأمام" سمعتها من احد الضباط، نزل الجميع من التل للتقدم في عمق منطقة الصفراء.
الخطوط الأمامية
اتجهنا مع جنود اللواء للالتحام بالكتيبة الرابعة من قوات اللواء 21 ميكا التي يقودها العقيد مهدي ناصر برهود، انها "كتيبة الأبطال" كما توصف هنا، فهي دائما في المقدمة.
وبالفعل وجدناها في المقدمة، أفراد الكتيبة يطلقون قذائف المدفعية والدبابات باتجاه الانقلابيين، كنا نرى دخان هذه القذائف وهي تسقط على مواقع العدو .. حاولت الاقتراب من العقيد مهدي، كان منشغل بالعمليات العسكرية، لكن استجاب لطلبي بالتصريح لـ "إيلاف" ولو بشكل مقتضب، فقال والقصف مستمر وسط صحراء منطقة الصفراء: "اليوم بدأت ساعة الصفر، أبطال الجيش الوطني والمقاومة الشعبية يخوضون معركة الشرف والبطولة، لدحر الانقلابيين والمتمردين، نحن الآن نقترب من الوصول إلى آخر منطقة الصفراء، والصفراء صحراء واسعة، هناك مشكلة فقط تواجهنا في الألغام التي زرعها المتمردين، وهي التي تسبب تأخر وتقدم الجيش السريع، المقاومة والجيش الوطني متواجدين في المنطقة، ومصممين على دحر الانقلابيين، ولكن نحن متقدمون، وهناك حماس وطني كبير بين الجنود، وتنسيق مع قائد اللواء العميد جحدل، ومع بقية القيادات العسكرية، ونبشركم بالنصر النهائي قريبا جدا".
ما أن انهى العقيد برهود تصريحه، إلا والجنود المحيطين به يطلقون هتافات التكبير والنصر والتأييد لقائد الكتيبة .
تحرك أفراد الكتيبة الرابعة وقيادة اللواء وكتيبة أخرى مساندة نحو الأمام، كانت أصوات المدافع تسمع بقوة في وسط صحراء الصفراء، وأصوات طائرات التحالف تحلق فوق المكان، مستهدفة تجمعات الانقلابيين.
تمر بجانبنا الآن دبابة للجيش الوطني ومجموعة من سيارات الأطقم العسكرية لتعزيز المقدمة، حماس الجنود وفدائتهم يجعلهم لا يهتمون أحيانا بتصفية المناطق المحررة من الألغام.
فجأة تسقط قذيفة (هاون) بجانب السيارة التي تقلنا، سمعنا الانفجار الشديد، أسرع سائق السيارة التي تقلنا إلى الانطلاق بالسيارة سريعا إلى الخلف قائلا: "نيران الحوثي، نيران الحوثي"، لم يصب احد منا بأذى، لكننا ابتعدنا كيلومتر إلى الخلف لتامين انفسنا.
اللواء 21 مشاه
على جبهة أخرى، في مديرية عسيلان أيضا، تخوض قوات اللواء 21 مشاه الذي يقوده العميد مسفر الحارثي معارك ضارية ضد الانقلابيين.
كنت قد التقيت من قبل بالعميد مسفر، وشاهدت كيف استطاع هذا القائد إعادة هيكلة وبناء اللواء21مشاه، بعد أن كان اللواء نفسه قد انهار تماما قبل عام.
في صحراء العبر عمل القائد مسفر الحارثي على إعادة تشكيل اللواء، ونجح بالفعل في تشكيل قوة عسكرية مدربة ومسلحة بدعم من دول التحالف العربي.
العميد مسفر الحارثي يؤكد لـ "إيلاف" على أن معركة اللواء21 مشاه لن تتوقف في عسيلان وبيحان في محافظة شبوة، بل ستصل قواته إلى صنعاء، و جبال مران معقل الميليشيات الحوثية.
قرب ظهر اليوم نفسه، قررت إنهاء مهمتي الصحافية في جبهة القتال على أمل العودة مرة أخرى بعد انتهاء الحرب.