منذ عشر سنوات: الكشف عن أقدم مستوطنة بشرية ساحلية في عدن تعود إلى "4500 ق.م"

عدن/عدن الحدث

في منتصف العام 2005م أي قبل نحو عشرة أعوام، قام مكتب الهيئة العامة للآثار في عدن باكتشاف أهم مستوطنة بشرية في عدن يعود تاريخها إلى حوالي (4500 ق.م)، المستوطنة تم اكتشافها في موقع (النبوة) في مديرية البريقة (Little Aden) عدن الصغرى، وقبل التطرق إلى ما تم اكتشافه في هذه المستوطنة من قبل إدارة الآثار في الهيئة العامة للآثار بعدن، دعونا نسلط قليلاً من الضوء حول مهام ونشاط هذه الإدارة:

حيث تعتبر إدارة الآثار من أهم الإدارات العاملة والفاعلة في مكتب الهيئة العامة للآثار، وكانت تعمل ضمن إطار البعثات الأجنبية العاملة في مجال المسح والتنقيب في عدن وعدد من المحافظات وهي: البعثة اليمنية السوفيتية والبعثة اليمنية الفرنسية وغيرها، وكان الكادر في مجالات مختلفة يعمل مع هذه البعثات كنظير في البعثة نفسها، واستطاعت بتنقيباتها وما تم العثور عليه من لقى أثارية أن تكون رافداً للمتاحف التي توسعت معروضاتها من هذه المكتشفات وأصبحت مقسمة علمياً بحسب التسلسل الزماني والمكاني (كرنولوجيا) و(كرمولوجيا)، وبفضل هذه المكتشفات والأعمال التنقيبية العلمية المنظمة استطاعت قدر الإمكان أن تغني فترات وحلقات تاريخ اليمن القديم وأن تعرف لعادات وتقاليد تلك الأمم التي عاشت في الفترات السابقة واستطاعت إلى حد ما أن تميل اللثام عن كثير من تلك المسائل، لكن يظل ما تم التوصل اليه ما هو إلا نقطة في بحر، إذ أن الأمر يتطلب عناية ورعاية واهتماماً حتى يتم إغناء فترات حلقات تاريخ اليمن القديم وإزالة الغموض والإرباك عن كثير من حلقات تاريخ الجزيرة العربية التي تعتبر أصل الحضارات القديمة، فعدن تعد من أهم وأشهر ثلاث موانئ في العالم القديم إن لم تكن أشهرها، وبحكم الموقع والعلاقات القديمة لربما أثرت وتأثرت بكثير من الحضارات الأخرى، وخلال لقائي بالدكتورة رجاء باطويل مدير عام الهيئة بعدن، عند الإعلان عن اكتشاف المستوطنة البشرية في منطقة (النبوة) في البريقة عام 2005م أوضحت أنه ومن خلال المشاركة مع البعثة الألمانية الروسية المشتركة في موقع (النبوة) تبين أن عدن حاضرة في عصور ما قبل التاريخ وخاصة في العصر (الباليوتي) الأعلى (4500 ق.م)، خاصة وأن الفكرة قد جاءت للبعثة أثناء عملها في مواقع صبر بمحافظة لحج سواءً في عملية التنقيب والبحث أو المسح الآثاري، وكذا في مواقع (أم عليبة) في لحج، حيث كان ضمن المعثورات كما كبيرا من عظام وهياكل الأحياء البحرية والأسماك وغيرها، وحيث إننا نعرف أن محافظة لحج هي منطقة زراعية رعوية، بدأ البحث عن مصدر تلك العظام واللجوء إلى أقرب نقطة لـ(أم عليبة) في لحج والتي تعتبر خلفية لها وأقرب نقطة إليها فكان موقع النبوة الذي أعطت معثوراته عمراً يقدر بـ(4500 عام) قبل الميلاد وأن النبوة أقدم من أم عليبة بحوالي 500 عام.

**هي أقدم مستوطنة**

إن موقع (النبوة) في البريقة، وبحسب اكتشاف معثوراته يعتبر من أقدم المستوطنات الساحلية التي نشأت على طول الشريط الساحلي للبحر الأحمر والبحر العربي، ويعتبر موقع سحار في سلطنة عمان شبيهاً بهذه المستوطنة التي قامت وتطورت وتعتبر من المواقع التي يمكن أن يطلق عليها بالمستوطنات الساحلية، وهذا يعطي دلائل تؤكد أن عدن بمستوطناتها التي نشأت وتطورات على الشريط الساحلي قد أوجدت لها علاقات تجارية، هذا لو عرفنا أن الجزيرة العربية هي تاريخ متكامل اشتهرت بإقامة المستوطنات التجارية البرية أيام الممالك اليمنية القديمة وذاع صيتها ثم بعد ذلك مركزاً حضارياً بحرياً أيام (الفينيقيين) وأن الجزيرة العربية بمسمياتها كدول وحدود مصطنعة لم تظهر إلا نتيجة للأطماع الاستعمارية كما هو معروف ممثلة بركنها الغربي القلب النابض للجزيرة حضارة وتاريخاً وشهرة بحكم المقومات الطبيعية والبشرية التي حباها الله بها.

**اكتشافات هامة في (النبوة)**

الاكتشافات الهامة التي عثر عليها في منطقة النبوة دفعت بالمستكشفين للاهتمام في تتبع دراسة المستوطنات التاريخية والبشرية فكان الأقرب لموقع (النبوة) موقع بير النعامة الممتد والمترامي الأطراف الذي لم يقطعه عن موقع النبوة سوى الطريق المستحدثة وذلك عند إقامة مصفاة عدن بداية الخمسينات من القرن الماضي، حيث إنه وعند عملية (السير) الحفر والتنقيب في المواقع لموسمين مختلفين دلت الكثير من المعثورات واللقى من بقايا فخار لأوان مختلفة الأغراض وأوان زجاجية وبعض الفخار المزجج والأساور (الحلي) وكذا بقايا الأصداف والمحار البحرية التي كانت تستخدم كغذاء للإنسان آنذاك، وبعض عظام لأسماك صغيرة والبعض العظام المختلفة وهياكل وعملات معدنية مختلفة كلها دلالات وإشارات على اكتشاف أهم مستوطنة بشرية تؤرخ لمدينة عدن، وأن الموقع تعاقبت عليه فترات زمنية مختلفة، وبعبارة واضحة أن عدن حاضرة في عصور ما قبل التاريخ ممثلة بموقع (النبوة) وحاضرة أيضاً في الفترات المختلفة مثل الفترة البرونزية (2000ق.م) وأيضا الفترات القديمة (قتبان) ممثلة بموقع بير فضل، وفي الفترة الإسلامية ممثلة بالعديد من العملات المختلفة، وهذا يلحض الفكرة القائلة بأن عدن لا يوجد لها تاريخ سوى ما ذكرته بعض المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية وكذا ما ذكره الفينيقيون عن دور عدن التجاري، ولكن الصحيح هو أن عدن لم تأخذ حظها من عمليات المسح والتنقيب أسوة ببقية المدن التاريخية المهمة إلا مؤخراً، وأن هذه الدراسة وهذا الاكتشاف الذي قام به مكتب هيئة الآثار في المحافظة والمرفوع إلى الديوان العام عبر الخطة العلمية التي يطمح مكتب الهيئة في عدن لتحقيقها.

**عدن تكتنز كنوزا مختلفة**

إن عدن مدينة حضارية تحتوي على الكثير من الكنوز المختلفة في باطن الأرض، ومن الضرورة بمكان أن تهتم جميع المؤسسات والهيئات ومكاتب الوزارات كل في مجال اختصاصه بأن لا يسمحوا بالبناء والنبش للمواقع الآثرية والتاريخية بحجة الاستثمار والبناء إلا بعد عملية المسح الآثاري، وهذا تقليد متعامل به دولياً، وحسب علمنا أن فرع الهيئة العامة للآثار بعدن قد قام ومنذ فترة بأول عملية مسح آثاري في إطار الخطة الشاملة لمسح مدينة عدن الكبرى بدأها في مديرية صيرة (كريتر) بحكم الخصوصية التي تتميز بها صيرة (كريتر) المستوطنة البشرية الأولى كونها ميناء اليمن القديم الذي اشتهرت به، أثرت وتأثرت وكان نتاج تلك المعرفة والتأثير قيام العديد من المعالم والمباني التاريخية والتراثية التي تطرزت بها الجبال والمدينة، وأصبحت عدن تعرف بمعالمها الثلاثة المميزة لها وهي: قلعة صيرة، والمنارة، وصهاريج عدن التاريخية.

أخيراً نتساءل إلى أين وصلت جهود الهيئة العامة للآثار في عدن في متابعة الكشف عن كنوز عدن الآثرية التاريخية وإعلانها للناس أولاً بأول وتوثيقها في متاحف عدن وغيرها من المتاحف؟.

ننتظر الإجابة وسنكون في صحيفة «الأيام» معكم في المتابعة... انتهى -الايام