مع تحولات الدور السعودي .. هل هناك فرصة تاريخية تلوح لحضرموت؟!*

لعقود طويلة، اتسمت العلاقة السعودية ـ اليمنية بأسلوب خاص في إدارة النفوذ، كان من أبرز أدواتها ما عُرف باللجنة الخاصة السعودية، وهي صيغة جاءت استجابة لواقع يمني معقّد، تغيب فيه الدولة المركزية وتتصدر فيه الاعتبارات القبلية والاجتماعية، وقد نجح هذا الأسلوب مرحليا في احتواء أزمات ومنع انفجارات، لكنه في المقابل أسهم في إضعاف المؤسسات الرسمية وعمّق الاعتماد على الأفراد، كما هو ملاحظ لكل المتابعين الجيدين للمشهد اليمني ككل. اليوم، لم يعد هذا النموذج قائما لربما على الأقل بشكله التقليدي السابق، فالحرب في اليمن والتحولات الإقليمية فرضت واقعا مغايرا أعادت معه السعودية تقييم أدواتها، وانتقلت من مرحلة إدارة العلاقة عبر قنوات غير رسمية إلى نهج أكثر مؤسسية وعلنية، يقوم على دعم الدولة والسلطات المحلية والتركيز على التنمية والاستقرار طويل المدى بدلا عن إدارة الأزمات وإطفاء الحرائق أو منع اشتعالها فقط. ذلكم التحول لم يكن شكليا بل عكس قناعة متزايدة لدى السعوديين بأن النفوذ الحقيقي لا يُبنى عبر الأشخاص، بل عبر مؤسسات قادرة على الصمود والمعالجة الجذرية وليست المؤقتة، ومن هنا برزت أدوار جديدة في التعاطي مع الملف اليمني ككل، كالتعامل مثلا عبر الوزارات الرسمية ودعم الحكومة المعترف بها دوليا وإطلاق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بوصفه مداخلا مختلفا لإعادة بناء العلاقة وتصويبها. وفي هذا السياق، تبرز حضرموت كحالة مختلفة داخل المشهد اليمني، فهي لم تنزلق إلى الفوضى العارمة حتى حينما فرضت عليها ولم تتحول إلى ساحة صراع مفتوح، بل حافظت على توازن نسبي بين السلطة المحلية والمجتمع ومختلف القوى الفاعلة على أرضها، وهو ما جعلها يُنظر إليها باعتبارها عمقا استراتيجيا للاستقرار ونموذجا يمكن البناء عليه ومنطقة يُفضَّل تحصينها بالتنمية والتوافق بدلا عن الصراع وإدارة الأزمات كما هو ملاحظ لكل متابع جيّد لتحركات المملكة في هذا الملف الحيوي، لذلكم لا نستغرب اذا رأينا الجدية التي أظهرتها حكومة المملكة في الأحداث الأخيرة التي شهدتها حضرموت وسرعتها في الحسم بل والتمدد والذهاب بعيدا نحو مناطق أخرى لايربطها شريطا حدوديا قصيرا أم طويلا مباشرا معها، بل ووصل الأمر إلى طي صفحات كثيرة وانهاء ادوار محورية لدول وشخصيات ومكونات سياسية وعسكرية وغيرها في لمح البصر وقبل أن يرتد الطرف حتى. غير أن هذه الفرصة التاريخية التي تلوح لحضرموت حاليا لا يمكن أن تُستثمر دون توافق داخلي، فالمصالحة الحضرمية تبدو اليوم مدخلا أساسيا لتثبيت الاستقرار وتحقيق المكاسب المرجوة، شريطة أن تكون نابعة من الداخل لا من الخارج وهادفة إلى بناء دولة المؤسسات لا لتقاسم النفوذ وتمكين أدرع المحسوبية القاتلة، وأن تشمل النخب بأنواعها والشباب والمرأة مع تحييد السلاح عن السياسة والتفكير بتجرد تام في مستقبل الأجيال القادمة وتقديم المصلحة العامة على كل المصالح الأخرى، وخوض اللعبة السياسية بحسب قواعدها التي تستند إلى لغة المصالح فقط ولاشي غيرها، والبُعد عن المثالية الطاغية والعاطفة المفرطة والنوايا الحسنة التي نكبت الكثير من السياسين الحضارمة في مراحل حساسة ومفصلية بل وأنهت وجودهم ونفوذهم بشكل تام ونهائي، أما الدور الإقليمي وفي مقدمته السعودي فيبقى داعما وضامنا لا وصيا ولا بديلا. اذا علمنا ذلكم، سنصل إلى قناعة مفادها، أن هذا التحول في الدور السعودي من الشكل التقليدي في إدارة الملف اليمني إلى هذا الشكل المغاير، وإن بدا غير مكتمل وغير نهائي فإنه حتما سيفتح نافذة جديدة أمام اليمن عموما وأمام حضرموت على وجه الخصوص، فإما أن تُحسن حضرموت استثمار هذه اللحظة التاريخية السانحة وتقدّم نفسها كنموذجا للاستقرار والعقلانية واللعب حسب قواعد المصلحة ومن خلال مفاهيم السياسة التى لاثابت فيها سوى المتغير، أو أن تُهدر الفرصة وتتحول إلى ساحة عبث جديدة تُستنزف فيها الإمكانيات وتتبدد المقدرات ونعود إلى المربع السابق، والخيار في نهاية المطاف بيد الحضارمة أنفسهم، سيما من تولى منهم المسؤولية وتصدّر المشهد العام وتزعمه. #مطيع_بامزاحم #حضرموت #السعودية #اليمن https://www.facebook.com/share/p/14UA1xwbSRy/

مقالات الكاتب