من أجل وداد لحظة..!!
ما أجمل بدايات الصباح حين يتآمر الودّ والنظرة الصادقة على أفكارك، فيأتيك الشعور جميلًا دون موعد، مبتسمًا بلا سبب.
حتى وإن تغيّرت بعض الأشياء من حولنا، أو فقدت بعض التفاصيل دفئها قبل أن تفقد شكلها، يبقى للأثر الأول مكانه، ويبقى للود حضوره الخفي دائما ، ومع ذلك، ومن أجل وداد لحظة، نختار أحيانًا أن نتجاوز ، لا ضعفًا، بل حفاظًا على صفاء الروح، وتمسّكًا بالجميل الذي لا يستحق أن يُكسر مهما بلغت درجة التحوّل ، فبعض القيم لا تُهمل عند أول وثاني اختلاف و سوء الفهم مادامت النيات طيبة ، بل تُحتوى بحكمة، وتُمنح فرصة أخرى للفهم.
فلسنا ندّعي المثالية ولا الكمال، لكننا نؤمن أن المروءة كانت ولا تزال بوصلة، وأن فعل الخير فطرة لا تحتاج تفسيرًا، وأن الصدق أمان، والأمانة خُلُق لا يفقد احترامه مهما تغيّرت القراءات.
بعض الأسئلة لا تُطرح قسوةً ولا تجردًا، بل مراجعة وبحثًا عن المعنى، لأن الوداد الحقيقي لا يُلغي السؤال، بل يطرحه بلطف.
فقد يُساء فهم الخير أحيانًا، وقد يُربك النقاء من لم يعتده، لا.. لأن القيم تغيّرت..! ، بل لأن بعض القراءات تجرّدت من حروف الثقة... و لكن الصدق مع الذات وحده يجعل الإنسان قادرًا على الاحتمال دون أن يتنازل عن جوهره.
وقد قيل قديمًا: «الباب الذي يأتيك منه الريح سدّه واستريح»،
غير أن بعض الأبواب، حتى وإن أُغلقت، تكون الروائح قد عبرت منها واستقرّت في التفاصيل، فتغيّر الإحساس دون أن تُرى, وهنا ... يكون الوعي هو الباب الحقيقي .... لا للإغلاق ..!! بل للتمييز، حتى لا نُغلق على أنفسنا الخير بحجة الحذر..
و يُروى أن رجلًا رغب في حصان عند رجلٍ آخر، فطلب شراءها فأبى..فازداد إصراره، فتطوّع لصٌّ ليأتيه بها..و ذهب إلى الطريق الذي يمرّ منه صاحب الحصان، وارتمى على قارعة الطريق متظاهرًا بالألم، رقّ له صاحب الحصان ، وأنزله وأركبه، وأخذ بلجام الحصان يجرّها ، قال له: لا يليق بك أن تجرّني،
قال: أنت رجل مريض.
قال: إن كان لا بد، فأنا أمسك باللجام حفظًا لكرامتك.
فلما ناوله اللجام، استوى على الحصان وهرب بها..
فنادى صاحب الحصان مبتسمًا : إن سألوك عنها فقل " إنك اشتريتها "، ولا تُحدّث أحدًا بما فعلت، إني "أخاف أن تموت المروءة بين الناس " .
هذا المقال ليس عتابًا، ولا لومًا، بل امتنان هادئ ،
امتنان لكل من جمعتني به وداد لحظة، ومرّ في الطريق بخفّة، وترك أثرًا طيبًا، ثم مضى.
فبعض الوداد لا يُراد له الاستمرار فقط ، بل يُراد له أن يبقى ثابتا نقيًا كما بدأ، وصدق من قال: الحرّ من راعى وداد لحظة..!!



