مجبورٌ أخاكَ لا بطل..!!
لحظاتُ الكتابة رفاهيةٌ من نوعٍ آخر؛ متعةٌ لا يدركها إلا من جرّب أن يحوّل صمته إلى كلمات. رائحة الحبر فيها كعطر الياسمين، أهشُّ به على صمت مبادئي، فتخرج أحلامي بيضاءَ النيّة، بعيدةً عن كل سوءٍ أو خذلان، قريبةً من السلام. أكتب لا لأنتصر، بل لأرى نفسي في مرايا صفحتي… ولا لأغالب أحدًا، بل لأصالح الفكرة حين تضطرب.
فحين تكون البطولة في التقدّم، لا يعني الانسحاب أنه هزيمة. أحيانًا نجد أنفسنا في مواقف لا نختارها، وظروفٍ تُحاصرنا من كل جانب، فنكون — حقًّا — مجبورين لا أبطالًا. لكن الفارق بين ضعفٍ مهين وحكمةٍ راقية، هو الطريقة التي نتغافل ونتعامل بها.
في زمنٍ يعلو فيه الصراخ، ويُقاس فيه الحضور بحدّة الموقف، يصبح الهدوء كأنه تهمة، ويغدو التراجع علامة انكسار. بينما الحقيقة أن بعض الخطوات إلى الخلف ليست فرارًا، بل حفاظًا على ما تبقّى من اتزانٍ داخلي. فليس كل جدالٍ يستحق أن نخوضه، ولا كل سجالٍ يستحق أن نمنحه من طاقتنا أكثر مما ينبغي.
مجبورٌ أخاكَ لا بطل..!!
قد نُجبر على الصمت لأن الكلام لن يُسمع، أو لأن الحقيقة في تلك اللحظة ستُشوَّه أكثر مما ستُفهم. وقد ننسحب لأن الاستمرار سيخدش قلوبًا نراعي مشاعرها قبل مشاعرنا، أو سيكسر روابطَ لا نريد لها أن تنكسر. فالانسحاب الواعي ليس هروبًا من المواجهة، بل اختيارٌ لسلامٍ أكبر.
في القرآن صورةٌ بليغة: نملةٌ رأت الخطر، فلم تتحدَّ ولم تصرخ بشعارات القوة، بل قالت:
﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾.
لم يكن ذلك ضعفًا، بل إدراكًا لحجمها وحدودها، وحفاظًا على جماعتها. الحكمة هنا لم تُلغِ الشجاعة، بل وجّهتها نحو النجاة لا نحو الاصطدام.
نحن أحيانًا نُجبر على التراجع، لكننا نملك دائمًا حرية الأسلوب. نستطيع أن ننسحب دون أن نجرح، وأن نصمت دون أن نجادل، وأن نبتعد دون أن نُسقط في قلوب الآخرين شعور الهزيمة. فليس المقصود أن نكسب الجولة، بل أن نحفظ القيم.
البطل قد يُصفَّق له لحظة، أما الحكيم فيحفظ نفسه والآخرين عمرًا تكشفه الأيام. البطولة الصاخبة قد تخلّف جراحًا، بينما الحكمة الهادئة تترك أثرًا من طمأنينة.
وفي النهاية، كما بدأتُ بالكتابة لأصالح صمتي، أختمها بذات العطر… عطر الصفاء.
في هذه الأيام المباركة، يأتينا رمضان لا ليعلّمنا الصوم عن الطعام فحسب، بل الصوم عن الضجيج، عن الجدل، عن كل ما يُرهق الروح. حين نقول: «اللهم إني صائم»، فنحن لا ننسحب ضعفًا، بل نرتقي اختيارًا. نختار العزلة الإيجابية، والهدوء النقي، ومراجعة الذات في مرآة الصمت.
هو انسحابٌ مختلف؛ يشبه ورقةً بيضاء لم تُلطَّخ بتمزيق المبدأ، ويشبه قلبًا قرر أن يُجدّد نواياه بعيدًا عن صخب الحياة. محطاتٌ نتوقف عندها مجبورين… لا لننهي الطريق، بل لنواصل السير من جديد، في هدوءٍ وثبات.
إنه اختيارٌ يشبه رائحة الياسمين…
لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك أثرًا جميلًا في الداخل، ويمتدّ أثره بهدوءٍ إلى من حولنا.
وهنا يتجلّى الفرق بين ضجيج اللحظة وعمق الأثر.



