حين تكون التفاصيل أجمل من أي صورة !
أجملُ معاني الوصف وأعمقها هي تلك التي نستعيرُ فيها مجهولاً لنصفَ بها مجهولاً آخر؛ ليس رغبةً في تعقيد المعنى، بل تعمداً لتركِ الأشياء في هالةِ "الغيب" لضرورةٍ ما ولحاجة في نفس يعقوب ،
فلم تكن الكتابةُ حاضرةً في نيتي أبداً، ولكنني التقيتُ بأحدهم اليوم لبضع دقائق، فكان اللقاءُ بكراً وكأنني ألقاه للمرة الأولى. هذا الشعورُ المباغت دفع قلمي لاستحضار تفاصيل رأيتها في لقاء أرواحٍ جميلة من زاويةٍ لا يبصرها أحد.
قبل اللقاء، اتفقنا مراراً واختلفنا أكثر حول الموعد؛ لا أدري هل كانت الظروفُ تعاندنا أم أن الأقدار كانت تمهد لنا أجمل تجلياتها؟ لكن الأهم أن "روائح المحبين" في أعماقنا كانت أصدق دليلاً. وصدق يعقوب -عليه السلام- حين قال: "إني لأجد ريح يوسف"؛ وبالرغم من أن المقارنة هنا ليست في المآل، بل في فكرة "الاستبصار بالقلب"، فإنني أؤمن أن في أعماق كل منا "يوسفٌ" خاصاً؛ يمثلُ جوهر النقاء الفطري الذي لم تلوثه الأيام، وجمال الروح الذي لا يحتاج لزينة.
في هذا المشهد، بدا مال الدنيا كله بخساً أمام مشاعر أخوية دافئة؛ أن تشعر أنك "لا تهون"، وأنك في مأمنٍ حتى وإن أخطأت، وأن يفهمك أحدهم وتفهمه.. ولو خانتكم المفردات.
في ذلك اللقاء، أطلق كلٌ منا "طفله الداخلي"، لعبنا كباراً بكل تحرر من القيود، وأبحرنا في اتجاهات شتى. بدأت رحلتنا من مصر، غصنا في أوساط مجتمعها وتأملنا ألوان طبيعتها القمحية، ثم مضى بنا الخيال إلى إندونيسيا، فسوريا ولبنان وبلد الحجاز وما جاورها في آفاق متعددة ممزوجه بفكر عميق لكن قرى المغرب ظلت هي الأجمل بتفاصيلها وعاداتها، مقارنةً بصخب العاصمة وقصصها الطريفة ، وبين هذا البلد وذاك، داهمنا الحنين إلى "الشاي الحضرمي" الذي تذوقناه في إسطنبول بعيداً عن القهوة التركية، فكانت رنة أصوات "ملاعق الشاي" هي مفتاح الطقوس الحضرمية البحتة التي غلفت ضيافتنا لاحقاً بكل تفاصيلها.
اليوم فقط، تيقنتُ أن بإمكان الحبر أن يرسم أدق الملامح، متفوقاً على أغلى العدسات. وحتى وإن ظل هذا اللقاء "مبنياً للمجهول"، فالجوهر يكمن في الشعور بأنك لا تغادر -روحياً- ولو قررت الرحيل، وأن يدك لا تُترك ولو تعقدت المسالك. ولا يقتصر الأمر على الكلمات فحسب، بل يمتد للفعل والمواقف الصادقة؛ فلا تحسبوني أبالغ، فهؤلاء نادرون في هذا الزمن.. لكنهم موجودون!
لذا، فإني على يقين أن القادمُ سيكون أجمل بوجود أمثال أولئك، والصورةُ ستكتمل و ستظهر في موعدٍ آخر.. ما دامت النوايا طيبة.


