حبُّ الظهور يكسرُ الظهور... !
بدايةً، وأقولها مرةً أخرى: إنني أحمل بيدي قلماً وفكرةً لا سوطاً؛ قلماً يذهبُ مذهباً مختلفاً، وعلى غير العادة، ليلتمس العذر في اختلافه لدى كل عينٍ قرأت ولم تتجاوز عتبة "المقصود" مما طُرِح بكل سلاسة ودون تعقيد، مستلهماً من واقعٍ ملموس لا يختلف عليه إلا من تجاهله وسلك طريق الظهور السريع.
وهنا يتضح الفرق الجوهري في ذلك ؛ حيث إن قوتنا الحقيقية تكمن في الأشياء التي نوفي بها ونتمسك بجوهرها، لا في الشعارات والوعود التي نطلقها في سماء الأماني المؤجلة، و التي لا تعدو كونها مجرد جسورٍ للعبور لا أكثر؛ ليصبح التخلي بعدها شيمةُ النفوسِ الهشّة، و الهروب من المسؤولية مهارةٌ لا يتقنها إلا أولئك العابرون على سلم الظهور ".
تزرع الشعوب قيمها في المدارس بأن الناس "سواسية كأسنان المشط"، ولكن نكتشف مع الأيام أن الواقع أصلع، وأن كل ما قيل كان مجرد شعار وكذبة تفاءلت بها قلوب الطيبين طويلاً. تلك القلوب التي افتقدت ملاذها الآمن، حين أضحت أبسط الحقوق عندها أبعد الأشياء منالاً، إلى درجة أنك لا تجد الأمن إلا في مكانين: سجادة صلاتك، وصدر أهلك البريء.
في هذه المساحة من الحقوق الضائعة، يظهر كل يوم من بين الثنايا من يدعي أنه "المنقذ" وبر الأمان، ليتزعم المشهد بمباركاتٍ اعتدنا انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي، تماماً كالوجبات السريعة التي تسد رمق الجوع والعطش الشخصي لصاحبها، وتترك البقية في حرمانهم.
لتأتي قلوبُ الطيبين فتعطي صوتَ قلبها قبل يدها؛ تبوحُ وتنادي كاشفةً عن أضعفِ نقطةٍ فيها، وكلها أملٌ ألا تُخذلَ أو تُفلتَ الأيدي التي تشبّثت بها، وألا يُستخدمَ هذا البوحُ ضدها يوماً. ورغم أنه أرهقها كل شيء، إلا أنها تبقى مراعيةً للمشاعر، وتبتسم في أشد لحظاتها صعوبة لكل من يتصدر المشهد لعلهم يكونون طوق نجاة، مانحةً إياهم فرصاً في مساحاتٍ خصبة من التجارب و النداءات المتكررة."
جرب عزيزي القارئ ألا تثق بكل ظهور جديد بين فترة وأخرى ، وألا ترفع سقف التوقعات عالياً معهم؛ جرب لعل ذلك يقي الخذلان، وإن لم ينفع فلن تخسر شيئاً، فثمة خسارات تبدو بعدها كل الهزائم الأخرى تافهة.
ثم ارفع بعد ذلك يديك بالحمد، واصبر على كل أزمة حاولت أن تكسر ظهورنا بكلمة "حسبي الله ونعم الوكيل"؛ ولعل أولئك الذين يتسلقون على ظهورنا دوماً أن يعودوا إلى رشدهم ويكونوا جزءاً من الحل أو يختفوا عن المشهد بالكامل.
وختاماً، سيبقى القلمُ مجرد فكرةٍ تستلهمُ من الواقع، وستبقى رائحةُ الحبر أجمل من كل ظهورٍ جديد لا يفي بكل التفاصيل ولا يلامس الجوهر، وعسى ربنا من حيث لا نعلم أن يبدلنا الخير في كل أمورنا.


